مفهوم الذات عند المراهق

مفهوم الذات عند المراهق

المراهقة

يمر الإنسان في مراحل نمائيّة عدة في حياته، لكل منها خصوصيتها، وصفاتها، التي تؤثر بشكل كبير على طبيعة شخصيته، وسلوكه، وإتزانه النفسي، ولعل أكثر هذه المراحل تأثيراً، وفعاليّة في حياة أي شخص هي مرحلة المراهقة والتي تتصف بالعديد من التغييرات الجسديّة، والنفسيّة التي تنعكس على انفعالاته، وسلوكه، وضبط تصرفاته بشكل عام.

تُعرّف مرحلة المراهقة: بأنها مرحلة انتقاليّة بنائيّة ينتقل فيها الفرد من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الرشد، حيث تتصف هذه المرحلة بالعديد من التغييرات النفسيّة السلوكيّة التي تؤثر بشكل مباشر على شخصيّة المراهق، بحيث ينظر لنفسه إما سلباً، أو إيجاباً، ومن هنا يأتي التباين في ردود الأفعال والسلوكيات لدى المراهقين، في ضوء ما تختزنه نفس المراهق من تجارب إيجابيّة، أو سلبيّة عن المراحل السابقة التي مر بها.

مفهوم الذات عند المراهق

إن المراهق الذي كوّن تصوراً واضحاً إيجابياً لذاته يستطيع تحديد أهدافه دون أن يتأثر بالضغوطات المختلفة التي ممكن أن تعترض مسيرته، وهذا يخلق فيه قوة دافعة للنظر إلى الارتقاء لمستويات أعلى من المستوى الذي هو فيه فعلياً، ويخطط لمستقبله بحكمة وبوعي كبيرين، بينما نجد المراهق الذي لديه مفهوم مشوش عن الذات لا يستطيع تعريفها وتصورها بوضوح وغير المعزز داخلياً فاقداً لهويته كثير التخبط، كثير الانفعال، محباً للعزلة، وساعياً لأن يفرض نفسه في أسرته، أو مدرسته، أو مجتمعه بالعناد، وتقليد الشخصيات التي يراها بمنظوره بأنها شخصيات عظيمة، وناجحة، بغض النظر عن نظرة المجتمع له، أو حتى للقدوة التي اتبعها، فتكون هناك الكثير من الصدامات بينه وبين عائلته، أو مع أقرانه، أو مجتمعه، مما يولد له المشاكل بصورة يوميّة، وينعكس على سمعته المجتمعيّة، فيُنعت بالهمجي، أو العصبي، أو المزاجي، وغيرها من المصطلحات السلبيّة المنفرة.

تقود الصحة النفسيّة السليمة للمراهق إلى تعلمه نقاط الضعف، والقوة لديه، وهذا ما يجعله يسد نقاط ضعفه بتفهم، وبحكمة، مستغلاً نقاط قوته التي تعتبر كرصيد نفسي بنائي له، أما إن كان العكس، واستطاعت نفسه أن تستكين أمام نقاط ضعفها، فهذا سيخلق بداخله عوالم مشوهه، وغير مكتملة، تجعله ينحدر بتصرفاته بحسب شدة ذلك الضعف الذي يسكنه، ومن هنا تبدو انفعالاته ومزاجيته التي تغلب على حقيقة طبعه المتزن، ويبدأ بالميل نحو العزلة، والبقاء منكمشاً على ذاته، بعيداً عن أي مظهر من مظاهر الحياة الاجتماعيّة، وهذه المرحلة تعد الأكثر خطورة في حياة المراهق، لأنها إن تفاقمت وعظمت ستنعكس على صحته النفسيّة العامة حتى بعد زوال هذه المرحلة، وتسبب له مرضاً يدعى بالوحدة الاجتماعيّة، والذي أخذ مجالاً واسعاً من الدراسة، والبحث من قبل علماء النفس، والاجتماع لمعرفة أثره المباشر على المراهق في مرحلة المراهقة، وما بعدها.

لقد استطاع علماء النفس والفلسفة دراسة مفهوم الذات عند المراهق دراسة مستفيضة، فهم استخدموا مصطلح الذات للدلالة على شيء فرضي يلم شتات فوضى النفس من مشاعر، وانفعالات، وأفكار، تظهر بصورة إيجابيّة، أو سلبيّة تجاه موقف معين، وتعبر كذلك عن الخصائص الجسديّة، والعقليّة التي تبرز على تأثير هذه القيمة عليه، بما في ذلك المعتقدات، والقناعات، والتطلعات المستقبليّة للمراهق.

لقد ظهرت مجموعة من الدراسات النفسيّة، التي أجراها مجموعة من علماء نفس وفلسفة أجانب وعرب بتطور مفهوم تقدير الذات وشموليته، حيث ربطوه بمصطلح الوحدة الاجتماعيّة، وقالوا إنّ الترابط بين المصطلحين قائم على أن كلاً منهما يمكن أن يؤثر في الآخر، وينعكس في النهاية على شخصيّة المراهق، فالذات الإيجابيّة تلغي الوحدة الاجتماعيّة، وتخرج من سلبيتها، وتضفي روح التجديد، والقبول لدى المراهق لكل الأشياء حوله، والعكس صحيح تماماً.

مفهوم تقدير المراهق لذاته تقدير المراهق لذاته: هو بناء شخصيّة المراهق وتقدير قيمة لها، في ظل وجود العديد من الاعتبارات التي تحيط به، والتي يمكن حصرها باعتبارات نفسيّة، ومجتمعيّة، وبيئيّة تؤثر في سلوك المراهقين بشكل مباشر، وتدفعهم إلى التصرف بشكل إيجابي، ومثمر، أو العكس في ضوء البناء النفسي للمراهق.

لقد اعتبر علماء النفس أن صوت الناقد لدى المراهق هو المعيار الأساسي في تكوين شخصيته، ونعني هنا بصوت الناقد: الصوت الداخلي المتشكل من تراكمات نفسيّة، سلبيّة أو إيجابيّة، كان مصدرها الأسرة، أو المجتمع، أو البيئة ككل. إن تقدير الذات يؤثر على شخصيّة المراهق تأثيراً بليغاً، فنجد صوت الناقد فيه يعلو كلما لاحت له مواقف يجزم أنه لن يستطيع تجاوزها، أو التعامل معها، وهذا كله بسبب المخزون السلبي المتراكم في عقله الباطن، والعكس صحيح أيضاً، فإذن التجارب السلبيّة أو الإيجابيّة تؤثر بشخصيّة المراهق بشكل كبير، وتجعله يتجه في مسارات متباينة، ما بين الاتزان، والتخبط.

إذن في ضوء ما تقدم يتضح لنا أثر تقدير الذات في تكوين شخصيّة المراهق، والتي أيضاً ستمتد معه طوال حياته، فالمراهق المقدر لذاته يعي تماماً أن التجارب وُجدت لتبني شخصيته، وتجعله أكثر قوة، ونجاحاً، بينما يراها المراهق الفاقد لذاته بأنها عقوبة تقع عليه جراء وجوده ضمن هذا المجتمع، أو الأسرة، أو البيئة التي ينتمي لها.